ابن حمدون

393

التذكرة الحمدونية

ومضى طرفة على وجهه حتى أتى عامل عمرو بن هند ، فلما قرأ الكتاب قال : أتدري ما في كتابك ؟ قال : لا ، قال : فإنه قد كتب إليّ بقتلك ، وأنت رجل شريف ، وبيني وبينك وبين أهلك إخاء فانج ولا تعلم بمكانك ، فإنك إن قرىء كتابك لم أجد بدّا من قتلك ، فخرج فلقي شبّانا من عبد قيس ، فجعلوا يسقونه الشراب ويقول الشّعر ، فقال عامّة شعره هناك ، وعلم الناس بمكانه فقدمه وقتله ، فأغار رجل من بني مرثد على الجواثر فأخذ نعما فساقها إلى معبد أخي طرفة فذلك قول المتلمّس : [ من الكامل ] لن يرحض السوءات عن أحسابكم نعم الجواثر أن تساق لمعبد فلما بلغ عمرو بن هند صنيع المتلمّس قال إنّ حراما عليه حبّ العراق أن يطعم منه حبّة ما عاش ، فذلك قوله : [ من البسيط ] آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه والحبّ يأكله في القرية السّوس ولحق بالشام فصار في دين الغسانيين . النّعم : الإبل والبقر والغنم ، فإذا انفردت الإبل قيل لها نعم ، فإذا انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم . والإبل : جمع لا واحد له من لفظه ، ومثله قوم وغنم ونساء وخيل ومذاكير الرجل ، ومحاسن المرأة ومطايب الجزور . واختلفوا في المخاض والأبابيل والعقابيل ، وقال أبو عبيدة : المداحيض . وقد وضعوا لكلّ حالة من حالات الإبل صيغة اسم تتميّز به عن الأخرى : فالقلوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء ، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الرجال ، وقد يقال للقلوص بكرة ، والجمل بمنزلة الرجل ، والناقة بمنزلة المرأة ، والبعير بمنزلة الإنسان يقع على الجمل والناقة كما يقع الإنسان على الرجل والمرأة . وخبر المتلمّس مع عمرو بن هند يدلّ على أقواء العرب وجهدها ، إذ كانت عقوبة هذا الملك الجبّار لهذا الشاعر المشهور أهم غايتها منعه من حبّ العراق .